ابن الجوزي

181

زاد المسير في علم التفسير

أي : ما شأنكن وقصتكن ( إذ راودتن يوسف ) . فإن قيل : إنما راودته واحدة ، فلم جمعهن ؟ فعنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أنه جمعهن في السؤال ليعلم عين المراودة . والثاني : أن أزليخا راودته على نفسه ، وراوده باقي النسوة على القبول منها . والثالث : أنه جمعهن في الخطاب ، والمعنى لواحدة منهن ، لأنه قد يوقع على النوع وصف الجنس إذا أمن من اللبس ، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء : " إنكن أكثر أهل النار " فجمعهن في الخطاب والمعنى لبعضهن ، ذكره ابن الأنباري . قوله تعالى : ( قلن حاش لله ) قال الزجاج : قرأ الحسن [ حاش ] بتسكين الشين ، ولا اختلاف بين النحويين أن الإسكان غير جائز ، لأن الجمع بين ساكنين لا يجوز ، ولا هو من كلام العرب . فأعلم النسوة الملك براءة يوسف من السوء ، فقالت امرأة العزيز : ( الآن حصحص الحق ) أي : برز وتبين ، واشتقاقه في اللغة من الحصة ، أي : بانت حصة الحق وجهته من حصة الباطل . وقال ابن القاسم : " حصحص " بمعنى وضح وانكشف ، تقول العرب : حصحص البعير في بروكة : إذا تمكن ، وأثر في الأرض ، وفرق الحصى . وللمفسرين في ابتداء أزليخا بالإقرار قولان : أحدهما : أنها لما رأت النسوة قد برأنه ، قالت : لم يبق إلا أن يقبلن علي بالتقرير ، فأقرت ، قاله الفراء . والثاني : أنها أظهرت التوبة وحققت صدق يوسف ، قاله الماوردي . ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ( 52 ) قوله تعالى : ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) قال مقاتل : " ذلك " بمعنى هذا . وقال ابن الأنباري : قال اللغويون : هذا وذلك يصلحان في هذا الموضع وأشباهه ، لقرب الخبر من أصحابه ، فصار كالمشاهد الذي يشار إليه بهذا ، ولما كان متقضيا أمكن أن يشار إليه بذلك ، لأن المقتضي كالغائب . واختلفوا في القائل لهذا على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه يوسف ، وهو من أغمض ما يأتي من الكلام أن تحكي عن شخص شيئا ثم تصله بالحكاية عن آخر ، ونظير هذا قوله : ( يريد أن يخرجكم من أرضكم ) هذا قول الملأ ( فماذا